أبي منصور الماتريدي

418

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إما أن يكون العلم بالأشياء حقيقة ضرورة ، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أدلة وقوعه عند التأمل فيها ؛ نحو وقوع الدّرك بالبصر عند النّظر وفتح العين . وإما أن يكون الله تعالى خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله تعالى أنه علم . وكذا قوله : عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 4 ] . وكذا قوله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ يس : 69 ] ، ولا يحتمل هذه الأسباب لما كانت له كلها ، ولم يكن تعلّم حقيقة ليؤذنه . وكذلك قول الملائكة : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] ، والله الموفق . وقوله : فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ . ظاهره أمر ، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا ، وذلك في القرآن كثير . وإن كان في الحقيقة أمرا ، ففيه دلالة جواز الأمر فيما لا يعلمه المأمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث . ويحتمل : أن يكونوا نبّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا . أو أراد أن يريهم آية عجيبة تدل على نبوته ، ذكّرهم عجزهم عن ذلك ، وألزمهم الخضوع لآدم عليه السلام في إفادة ذلك العلم له ، كما قال عزّ وجل : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [ طه : 17 ] ذكره أولا حاله وحال عصاه ، ليعلم ما أراه ما في يده من آية نبوته على نبينا وعليه السلام . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ . قوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في المعاني التي ذكروا ؛ إذ كنتم مذ خلقتم موصوفين بالصدق . أو على تحذير القول بلا علم وكأنه قال : واصدقوا ، واحذروا القول بالجهل . وفي ذلك أنهم لم يتكلفوا بالقول في شئ لم يعلمهم الله تعالى . قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان : هذا يبطل قول المنجمة والعافة « 1 » بدعواهم على

--> ( 1 ) في أ : القافة .